السيد عبد الكريم الموسوي الاردبيلي

300

فقه الحدود والتعزيرات

قتله لو طرأ الجنون بعد مضيّ مدّة استتابته وامتناعه عن التوبة ، قال : « ويحتمل هنا العدم ، للأصل والاحتياط في الدماء والشبهة الدارئة للحدّ كما سيجيء ، فإنّ القتل أيضاً حدّ ، وإرجاء توبته إن لم يقتل ، فإنّ الظاهر أنّه يقبل توبته وإن حصلت بعد مضيّ مدّتها ، فحين قتله مجنوناً يحتمل أن لو كان عاقلًا لتاب قُبيله بنَفَس ، فتأمّل . » « 1 » أقول : إنّ ما ذكروه في عدم قتل المرتدّ الملّيّ إذا جنّ كلام متين ، ويجري كلّ ذلك في المرتدّ الفطريّ أيضاً على ما ذهبنا إليه من قبول توبته وإن لم يستتب ، لأنّه يجيء في حقّه أيضاً احتمال الرجوع والتوبة لو أفاق من جنونه قبل أن يقتل ولو بلحظة . مضافاً إلى أنّ إقامة الحدّ على المجنون مخالف للارتكاز ويستنكره العقلاء ، وذلك لأنّ المرتكز عندهم هو أنّ الحدّ - مضافاً إلى منافعه بالنسبة إلى المجتمع وكونه لزجر الجماعة عن ارتكاب مثله - مؤاخذة وعقوبة ، وهي تتحقّق فيمن يدرك العقوبة . وأشكل من ذلك ما إذا قامت البيّنة في زمان جنونه بأنّه ارتدّ فطريّاً في زمان صحوه ، فهل يجوز للحاكم أن يحكم طبقاً للبيّنة ، مع عجز المتّهم عن الدفاع عن نفسه ؟ فهل محاكمة المجنون في دور جنونه لا تكون مستبعدة عند العقلاء ؟ وقد مرّ منّا بعض الكلام في ذلك في كتاب الزنا في مبحث عدم سقوط الحدّ بعروض الجنون أو الارتداد ، فراجع « 2 » . وأمّا التمسّك بمثل رواية حمّاد بن عيسى ، عن جعفر بن محمّد ، عن أبيه ، عن عليّ عليهم السلام ، قال : « لا حدّ على مجنون حتّى يفيق ، ولا على صبيّ حتّى يدرك ، ولا على النائم حتّى يستيقظ » « 3 » لنفي إقامة الحدّ على المجنون في دور جنونه ، فهو في غير محلّه ، وذلك لأنّ المراد بأمثال تلك الكلمات هو عدم ثبوت الحدّ على المجنون المرتكب

--> ( 1 ) - مجمع الفائدة والبرهان ، ج 13 ، ص 339 . ( 2 ) - راجع : الجزء الأوّل من هذا الكتاب ، صص 535 و 536 . ( 3 ) - وسائل الشيعة ، المصدر السابق ، الباب 8 منها ، ح 1 ، صص 22 و 23 .